قراءة في كتاب حياة في الإدارة – غازي القصيبي

حياة في الإدارة

 

الكتاب الذي تشعر بالدمع في عينيك وأنت تقف على آخر عباراته لا بد وأنه كُتب بصورة مختلفة وكان طريقه للوصول إليك فريداً ولعل قلبك كان مرحّباً لما فيه بلهفة لأن من وقف خلفه إنساناً فيه من الخير ما لم تستطع تقديره
هذا الكتاب لحياة غازي القصيبي رحمه الله في الإدارة سيرة مبهرة وملهمة في ذات الوقت. لم أتصور أن أستمتع به وأنهل منه إلى الدرجة التي فعلت بالإضافة إلى أني لم أتصور في البداية كيف سيكون الكتاب مترابط بصورة شديدة بالرغم من عدم وجود فواصل في الكتاب والذي كنت أدرك أنه يحمل سيرة أعوام.

يتنقل القصيبي رحمه الله في الكتاب من منصب لآخر والتي كان على مدار الأعوام يكلف فيها، ترى كيف انتقل من موظف في كلية التجارة بقسم العلوم السياسية بدون مكتب وبدون منهج لتدريسه يستغل فقدان المكتب بقضاء طوال فترة الدوام في المكتبة وبعدها إلى مكتب مع مهمة لصق صور الطلاب على استمارات الامتحانات ثم المراقبة على الطلاب في الامتحانات فقط برغم الشهادة التي يحملها وتخوله للتدريس. وفي هذا الجانب ذكر:

 

“أود أن يعرف القراء الذين لم يسمعوا بي إلا مسؤولاً كبيراً أني بدأت حياتي العملية بدون مكتب وبدون طاولة، إن عجبي لا ينتهي من أولئك الموظفين الذين يصرون على مكتب فخم في يومهم الوظيفي الأول، وأولئك الموظفين الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا رأوا أن المكتب لا يتناسب وما يتصورونه لأنفسهم من مكانة.”

 

” إنني أفخر بالفترة الطويلة التي قضيتها بلا طاولة. وأفخر أكثر بأنني لم أضيع دقيقة واحدة من الدوام: كنت في المكتبة من الثامنة صباحاً إلى الثانية ظهراً من كل يوم”

 

كان ينتقل في الكتاب من منصب لآخر مع التفاصيل المثيرة بعمق كل منصب من مهام وتحديات وعقبات وأساليب، من عميد كلية إلى مدير عام مؤسسة السكك الحديدية إلى كونه وزير لأكثر من وزارة في فترات زمنية مختلفة  ثم ختاماً بالسفير.

 

بعض من الدروس المثرية في الإدارة في الاقتباسات التالية:

 

“على صانع القرار ألا يتخذ أي قرار إلا إذا اكتملت أمامه المعلومات”

 

“لا تتعامل مع أي موقف دون أن تكون لديك الصلاحيات الضرورية”

 

“الذين يبحثون عن الشعبية يندر أن يجدوها. على المرء أن يرضي ضميره، وأن يؤدي واجبه. إذا جاءت الشعبية بعد ذلك فبها ونعمت. أما إذا تناقضت متطلبات الشعبية مع متطلبات الواجب فيجب أن تكون للواجب الأولوية المطلقة”

 

“لم تكن تراودني ذرة من الشك أني سأكون مسؤولاً أمام الله مسؤولية شخصية عن أي خطأ يرتكبه أي عامل في القطاع. وهناك ثانياً المناظر اليومية الفاجعة. كنت كلما زرت مستشفى من مستشفيات الصحة النفسية أو أبصرت ضحايا الحوادث من الشباب المصاب بالشلل عدت إلى المنزل محتقناً بالحزن. أحياناً، كنت أبكي بمرارة بعد زيارة كهذه. وهناك ثالثاً، ألم القرارات الصعبة. لا يوجد إنسان يحب قطع رزق إنسان آخر، أو تعكير صفو حياته على أي نحو ولكن لم يكن أمامي خيار”

 

” عندما أترك عملاً ما أنصرف عنه بوجهي كلية وأن أضع بيني وبينه أكبر مساحة ممكنة وأن لا أتتبع أخباره”

 

” الإداري الناجح على خلاف ما يتصور الناس ليس هو الإداري الذي لا يمكن أن يستغني العمل عن وجوده لحظة واحدة. على النقيض من ذلك تماماً”

 

” لا أؤمن بالحلول العاجلة. لا أؤمن أن للنجاح أي سبيل سوى التخطيط الهادئ والتنفيذ الصحيح”

 

“لا ينبغي على الرئيس الإداري مهما كان تعلقه بالمؤسسة التي يرأسها أن يختلق جدوى لا توجد وأن يحرص على توسع لا ينفع”

“الذين يبحثون عن الشعبية يندر أن يجدوها. على المرء أن يرضي ضميره، وأن يؤدي واجبه. إذا جاءت الشعبية بعد ذلك فبها ونعمت. أما إذا تناقضت متطلبات الشعبية مع متطلبات الواجب فيجب أن تكون للواجب الأولوية المطلقة”

 

” لا يجوز لي مهما كانت عواطفي الإنسانية نحو زميل من الزملاء أن أبقيه في موقعه إذا كان بقاؤه يعرض سلامة الآخرين للخطر. كثير من القرارات التي اتخذتها في وزارة الصحة والتي بدت قاسية وشديدة النظر لم يطلعوا على خلفياتها، لم أتخذها إلا حماية لأرواح الناس، وكانت الحد الأدنى الذي يمكن اتخاذه”

 

أسباب الفشل الإداري:

” الإداري الغبي لا يستطيع معرفة القرار الصحيح والإداري الجبان لا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح والإداري غير الماهر لا يستطيع تنفيذ القرار الصحيح”

 

“إذا كنت لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية الخطأ الذي يرتكبه أحد العاملين معك فمن الأفضل أن تبقى في دارك”

 

كان للقصيبي رحمه الله وجهات نظر وزوايا ليت هناك من تبناها عن التعليم:

 

” لا يمكن أن تكون (يشير إلى المادة الدراسية) مفيدة ومشوقة ومبسطة ما لم يبذل المدرس أضعاف الجهد الذي يبذله الطالب”

 

” كنت ولا أزال أرى أن شهادة الدكتوراه لا تعني أن حاملها يمتاز عن غيره بالذكاء والفطنة أو النباهة فضلاً عن النبوغ أو العبقرية. كل ما تعنيه الشهادة أن لحاصل عليها يتمتع بقدر من الجلد وبإلمام بمبادئ البحث العلمي. الهالة التي تحيط بحاملي الدكتوراه خاصة في العالم الثالث وتوحي أنهم مختلفون عن بقية البشر وهم لا أساس له من الواقع”

 

” كنت أرى أن الجامعة يجب أن تنزل من برجها الأكاديمي و “تلوث” يديها بغبار التنمية” ” لقد ركزت جامعاتنا حتى الآن على مهمة تخريج الطلبة وأهملت دورين آخرين هامين يجب أن تقوم بهما الجامعة: قيادة التقدم العلمي والفكري في البلاد، والمساهمة الفعالة النشطة في تحديث المجتمع وحل مشاكله.. الوضع السليم أن يكون لكلية التجارة دور قيادي في البحوث الاقتصادية والإدارية” ” والوضع السليم هو أن يساهم أساتذة القانون في الجامعة في مناقشة الأنظمة وإعدادها ودراستها” ” باءت محاولتي لجرّ الجامعة إلى معترك الحياة اليومية بالفشل الذريع”

 

وفي هذا الموضوع ذكر في أحد مقالاته التالي:

” ليس من حق الجامعة أن تأوي إلى جبل يعصمها من طوفان التنمية فتعتزل المجتمع بحيره وشره وتنصرف إلى كتبها وطلبتها وهمومها الصغيرة: تدرّس حياة شاعر عاش في اسكتلندا قبل قرون أو تشرح نباتاً لا ينمو إلا على ضفاف بحيرات كندا. إن مكان الجامعة الطبيعي هو في قلب الإعصار، في تنور الطوفان، عند دفة القيادة من فلك التنمية، ومكان القيادة لا يُعطى بل ينتزع بالطموح والإصرار وبتلويث الساعدين بغبار المعضلات وتبليل القدمين بغبار الأزمات”

 

اقتباسات متفرقة من الكتاب:

 

“كنت ولا أزال من المؤمنين بحرية الإرادة المحكومة بقدر الله. وكنت ولا أزال أرى أن على المرء أن يخطط لمستقبله بكل ما يملك من قوة وأن يعرف في الوقت نفسه أن إرادة الله لا تخطيطه هي التي سترسم مسار هذا المستقبل”

 

“لولا زوجتي لما استطعت أن أنصرف بكل جوارحي إلى الخدمة العامة”

 

“لا يأخذ الناس بجدية كافية أي خدمة تقدم لهم بلا مقابل أو بسعر منخفض”

 

ومثالاً على هذا يذكر حكاية عن الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي حين زاره في عيادته أحد المرضى وكان فقيراً. وبعد أن رأى هذا الطبيب الشاعر أن السبب الوحيد لمرضه هو سوء التغذية فقد أعطاه خمسة جنيهات ليشتري بها طعاماً له. رآه بعد فترة ليسأله عن حاله وكان هذا رده: ” أنا بخير يا دكتور. والفضل لك. أخذت جنيهاتك ودفعتها لطبيب حقيقي يتقاضى أجراً من زبائنه”

 

شخصياً أعتقد أنه في أحوال الناس أيضاً زيادة على كونها لا تأخذ الخدمة المقدمة بجدية ، تعتقد أن الشخص الذي يبذل جهده ووقته لأمور تطوعية بحتة دون الحصول على مقابل هو شخص متفرغ تماماً، رغم أنه على العكس تماماً الكثير من الذين يقررون أن يبذلوا جزءاً من أوقاتهم لبذل عمل خيري ليسوا متفرغين أبداً. أذكر ذات يوم في الإجازة الصيفية وكنت مع مجموعة زميلات نعمل على مشروع تزيين أجنحة الأطفال المرضى كنت في أيام أبقى مع الرسامة لساعات لمشاركتها التخطيط وللتأكد من أن العمل قائم، كان تعليق إحداهن عندما سألت عما نصنع وبعد ما أجبت بأنه يبدو بأني متفرغة جداً ولا مشاغل لدي.

 

” ما من موهبة تمر بدون عقاب” محمد الماغوط

 

“وهل أنا بحاجة إلى القول إن الديمقراطية لا تنبع من النفوس إلى بعد فترة من الحرث ووضع البذور والسقاية والعناية والرعاية؟”

 

كان غازي رحمه الله قبل أن يتولى أي منصب من المناصب التي مر بها لا يبدأ حتى يعمل على معرفة كل ما يمكن معرفته عن هذا العمل الجديد على سبيل المثال عندما تولى إدارة سكك الحديد فاجأ الموظفين بأنه قرر السفر من الرياض إلى الدمام بالقطار والمضحك أن هناك من كان يحاول أن يثنيه عن فعل ذلك بحجة أن الرحلة متعبة وطويلة. وعلّق على ما حدث ” يا لغرائب البيروقراطية! الجهاز الذي يقدم خدمة عامة للجمهور يريد (حماية) رئيسه من هذه الخدمة. رأيت عبر حياتي الإدارية عدة نماذج لهذا النوع من التفكير. مدير الشؤون الصحية الذي يرفض أن يعالج في مستشفى من المستشفيات التابعة له. ومسؤول التعليم الذي يرسل أولاده إلى مدرسة خاصة”

 

” إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويلة من الفكر والعرق والدموع”

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: