قراءة في السيرة الطائرة – إبراهيم نصر الله

FullSizeRender (4).jpg

 

لا أتردد في كثير من الأحوال في البدء بقراءة كتاب لإبراهيم نصر الله

السيرة الطائرة ان في مكتبتي لمدة وكنت أؤجل قراءته لسبب لا أعلمه

السيرة الطائرة هي سيرة للكاتب إبراهيم نصر الله يعرض فيها رحلاته عبر دول مختلفة وأمسياته الشعرية، وأود الإشارة بأني كنت أنظر دائماً إليه كروائي لا كشاعر إلا أن هذا الكتاب أبرز نصر الله الشاعر أكثر مما تصورت.

كنت أعتقد في البداية أن السيرة ستكون عن حياته منذ الصغر حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن ولكنها كانت عن سيرته “الطائرة” سيرته التي تضمنت التحليق لأماكن مختلفة حاملاً شعره والقلم الفلسطيني لإيصال رسالته بتفرد كما يفعل الكتاب والشعراء عادة.

كما قال د.محمد عبدالقادر “يمكن أن لقارئه أن يستل أي فصل فيه فيقرأه كما لو كان قصة قصيرة أخاذة” لا يوجد ترابط بالأحداث يلزمك على القراءة الكاملة لكن من يمسك بكتاب لإبراهيم نصر الله ويستطيع أن يترك فصلاً دون آخر؟ شخصياً قرأتها منذ البداية حتى النهاية دون انتقاء لفصول معينة وكان فريداً جداً

تحدث في مواقع عن السفر بطريقة عذبة ورقيقة وكنت مصادفة قد قرأت أجزاء من سيرته قبل أن أسافر إلى مدينة أزورها للمرة الأولى وكنت أذكر في أحوال كلماته وتنساب بلطف لتطفو على صفحة عقلي.

” كل مدينة لم أتهاوَ على مقاعدها الرصيفية متعباً لا أستطيع القول إنني عرفتها”

“تحتاج صديقاً مخلصاً كي تعرف المدينة، لكنك بحاجة للتجول فيها وحيداً كي تحسها”

“مذاق المدن كمذاق الحب، دائماً يتفتح هناك في الوحدة”

وكان صادقاً جداً حينما كتب ” المدن الجديدة تعلمني الكتابة، المدن الجديدة حب أول”

” حين تذهب لبلد وأنت تحمل فكرتك الكاملة عنه لن ترى فيه سوى فكرتك التي تحملها. أما إذا تحررت من فكرتك وذهبت بروح طفل لا يعرف شيئاً سوى لذة الاكتشاف فإنك ستكتشف الكثير الذي سيبهج روحك وبغير ذلك ستكون قد زرت البلد الذي بنيته في مخيلتك فقط لا البلد الذي حلمت بزيارته، البلد الذي زرته”

” لم أدخل مدينة إلا ومنحتني عينين جديدتين، لم أدخل مدينة إلا واكتشفت فيها ما لم أكن أعرفه عن قلبي”

في فصل دمعة طائرة كتب عن سفره إلى ليبيا وكيف كان جزءاً من المطار مكتظاً بنساء وأطفال علم أنهم فلسطينيون قدموا من الكويت وقد مرت أيام وهم على هذا الحال في نفس المكان، ذكر وبكل وجع أنه ” لا أحد يريد للفلسطيني أن يعود ولا أحد يريد للفلسطيني أن يبقى”

وفي قصيدة له عن ذلك كتب

” وأُقتل في حالة من عناق

وأُقتل في حالة من عراك

وفي آخر الأمر يندفعون إلى جسدي طعنة:

خذ هواك

ألا أيها المبتلى بدماك

لا تكن ها هنا لا تكن ههناك

وكن أي شيء سوانا

وكن أي شيء سواك!”

حملته الطائرة معهم، وذكر كلمات موجعة جداً وهو يذكر مخيم “الكرامة” وكيف أجبر الفلسطينيون على تركه أيضاً للانتقال إلى مخيم أبعد :

“إلى مخيم أكثر بعداً عن أرضهم، أرضهم التي كان يمكن أن يشاهدوها من نوافذ بيون مخيمهم المتهالك ذاك. كما لو كانوا يخافون على الفلسطيني من لوعة الحنين!”

هناك أمور قد نكون اعتدناها ونحن نكبر حتى لا تستوقفنا ولا تدفع الأسئلة لأن تُخلق في عقولنا إلا أن حديثه عن بعض جوانب القضية الفلسطينية يجعلك تتساءل عن سبب غفلتك عن حقائق مرعبة، كالمقطع الذي كتب فيه عن شعب تجرد من كل شيء، “من أرضه وحقله وسمائه وشوارعه ومزارعه ومدنه وسواحله وسياراته وبواخره ومصانعه وصحفه ومدارسه ومقاهيه وملاعبه وقطاراته ومطاراته وماعزه وأبقاره وحميره وخيوله وما يستر روحه من أحلام وجسده من ملابس” كيف لهؤلاء أن يبتدؤوا من جديد، كيف تكون البداية وأنت لا تملك شيئاً حتى ذكرياتك التي تعلم أنك لن تستطيع العودة إليها أو حتى زيارة الأماكن التي احتضنتها.

في فصل أقل من عدو ذكر إبراهيم نصر الله عن رغبة منتج إيطالي في إنتاج فيلم مستوحى من فكرة عائد إلى حيفا لغسان كنفاني ولكون الفيلم سيكون بلا شك عالمياً كانت الفكرة جاذبة لنصر الله إلا أن سرعان ما خاب ظنه حين أخبر بأن سيناريو الفيلم يجب أن يتشارك في العمل عليه كاتبان أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي: ” يكتب الفلسطيني الحكاية الفلسطينية حكاية الأبوين اللذين أضاعا ابنهما في فوضى عام النكبة ويكتب الإسرائيلي حكاية رضيعهما الذي ربته عائلة إسرائيلية فأصبح جندياً” وذكر في ذلك “كنت حزيناً لأن العالم لا يسمح لنا حتى بامتلاك رؤيتنا الواضحة الخاصة لواحدة من حكاياتنا في رواية نحن كتبناها وتم قتل كاتبها” بالرغم من وجود أفلام سابقة عالمية عن اليهود والهولوكوست والحقيقة كانت أنها أنتجت دون مشاركة الفلسطينيون في كتابة هذه الأفلام

كنت أحد قراء روايته أعراس آمنة ، وكتب نصر الله أن صديقاً له في غزة كتب له عندما قرأ أعراس آمنة (الأحداث في رام الله) و تحت شمس الضحى (الأحداث في غزة) “كأنك تعيش بيننا” والمفاجئ أنه لم يزر غزة مسبقاُ. كان وجع فلسطين في قلبه، كان يصف كل شيء كما هو حقيقة في فلسطين وهو يعايشها بطريقة تختلف عمن هناك إلا أنها تشبهها كثيراً

“إننا كنا نزور فلسطين ونتجول فيها يومياً دون أن ندري، فذاكرة الأهل التي خرجت كاملة محتشدة بأدق أدق تفاصيل قراهم ومدنهم وما عايشوه وعلى مدى سنوات وسنوات كانت أكثر قوة من أيديهم التي لم تستطع أن تحمل سوى القليل من متاعهم وهم يغادرون تلك المدن والقرى”

تحدث عن الأمسيات وما كان يحدث فيها في أحيان لمنعها، كإحدى الأمسيات في عمان حينما سعت السلطات لإفساد الأمسية وذلك بإرسال حافلات ممتلئة برجال أمن بلباس مدني قبل ساعات من بدء الأمسية لتعبئة المكان وعدم السماح بإقامتها بطريقة ملتوية رغم سماحهم بإقامتها !

كتب أيضاَ عن أمسياته في مدن أخرى من العالم ، ولم أعلم من قبل بأنه كان يقيم أمسيات في دول لا تتحدث العربية، بحيث تترجم قصائده ويلقيها أحدهم بلغة أهل البلد بعد أن يلقيها هو بالعربية، كان أمر مميز بالنسبة لي.

 

5/5 تقييمي لسيرته الطائرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: