عشرة دروس وتأملات مع انتهاء عام 2017

2017.jpg

 

بعض التأملات هنا تتبع لسلسلة تدوينات تأملات في سنة الامتياز، للاطلاع على التدوينات السابقة:

مفترق طريق: أفكار في بداية سنة الامتياز

مفترق طريق ٢ : سنة الامتياز، تأملات في بداياتها

مفترق طريق 3 : تأملات أخرى في سنة الامتياز

(1)

 نختار الوجهة، إلا أن محطات الطريق إليها مغيّبة حتى نطؤها

لطالما اعتدت الجلوس معي للمرور بكل ما يدور في عقلي بصورة جليّة لي خلال فترة زمنية قصيرة، الحديث بصمت والكتابة كي لا أجعل الأفكار تتكدس فتضرّ بي أو تتحول بطريقة ما إلى صورة مختلفة فيكون أمر استعادتها شاق جداً على النفس حينها. اعتدت الكتابة منذ سنوات واتخذتها رفيقاً يعينني على التخطي والحديث والتأمل واسترجاع أحداث قد تكون في ظاهرها عابرة للغير، اعتدت ذلك لأني في الكتابة أتمكن من أن أتعرى من كل شيء لأكون أنا وعاهدت نفسي ألا أكتب لأحد في المقام الأول، الكتابة دائماً من أجلي كي أكون. ولكي تكون كذلك لا يمكن لي أن أحرف في عباراتي أو أختار كلمة دون أخرى من أجل آخر لأني لو استسلمت لهذه الفكرة ستكون بلا شك هذه نهاية ومعنى الكتابة الحقيقي بالنسبة لي.

ترددت كثيراً في الآونة الأخيرة في الكتابة ووجدتني أحمل خطواتي على التيه كلما أحسست بقرب الكتابة، وحين أستسلم وأقف أمام ورقة ويدي تلهو بقلم أجدني لا أقوى على أن أكتب من حكايتي شيئاً رغم كل ما يحدث في الوقت الحاضر ورغم الازدحام الذي أشعر به يزداد في عقلي مع مرور كل يوم ورأسي يلومني بألمه على انقطاع شفاء الكتابة.

من اعتاد الكتابة يتبدّل كثيراً حين الابتعاد عنها، يتبدل بصورة غريبة فلا يعود يعرف نفسه أحياناً وهو يدرك في قرارة نفسه طريق العودة لأن الكتابة وحدها من كانت تعيده دوماً إلى نفسه بصورة أقرب وآثر كل مرة.

أمر بتقلبات كثيرة، بحكايات ملتوية أكاد لا أمضي في طريق مستقيم لأيام حتى ينعطف بي إلى غيره، وهذه الحياة التي اخترتها لنفسي دون شك. ليس بالضرورة أن نفضل محطات توقفها إلى أنها أحد مسلمات الوجود في طريق بعينه

 

(2)

إننا نقدّم أشياء منّا كثمن لتقدّم الخطى

أقف على بعد أشهر من بداية جديدة لطالما كانت الوجهة التي عملت بصورة منهكة أنا وصديقي الأقرب للوصول إليها.

أحمل مشاعر متضاربة وأنا أدرك أن جزء كبير من الحكاية ما يزال غامضاً بعد الحدث المفجع الذي مررت به، أشعر بالتيه وربما هذا ما دفعني للانغماس بعيداً عن الكتابة، كنت أخشى أن أتعرى لأني لم أعد أعرف إن ما كانت الكتابة ستكون الرفيق الذي يربت على كتفي هذه المرة أم لا. في أحوال لا أحد يمكنه أن يربت على كتفك بصورة حقيقية سواك وما تصنع. في أحوال تجد أنك لا تقوى أن تفعل ذلك في أشد اللحظات احتياجاً لما يخبرك أنك ربما ستمضي يوماً إلا أن هذا لا يعني أنك لن تخسر شيئاً منك مع ذلك المضي. في أحداث عدة قد تخلّف شيئاً منك كثمن للاستمرار.

إننا مع مرور الوقت وإن كنّا نأخذ ما نأخذ فإننا نخسر أشياء منّا، في أحيان تتمثّل هذه الخسارة في أمر أثير اعتادته النفس، في حكاية لطالما أمتعنا أننا وطن لها. إننا حين نجد أننا نقف أمام خيار الوقوف والاحتفاظ بتلك الحكايات الأثيرة مقابل أن نفارق لعنة انقطاع تقدم الخطى فإننا سنتلقّف الثانية دون شك إن كنّا ممن أدركوا أن الوقوف تراجع وعودة بائسة بالرغم مما قد يوحيه من ثبات.

 

(3)

التجارب الجديدة تجعلك ممتناً وتحيي جوانباً فيك مضى زمن وهي في سكون

أحد أثمن وأمتع الأمور في حقيقة الإنسان هي وجود التجارب الجديدة وإمكانية خوضها بصورة قد أكون أقرب للصدق حين أكتب “بصورة لا تنتهي”.

بغض النظر عما قد تبدو عليه هذه التجربة من الخارج إلا أن ما يهم هو ما تعنيه لك وما تتركه فيك من انتصار لذيذ بالرغم مما قد تخلّفه في البداية في نفسك من شعور بعدم الراحة، الشعور الطبيعي الذي قد تهديه لك خطواتك خارج منطقة الاعتياد والراحة.

ولا أنسى أن أذكر أن المشاعر التي تحملها التجارب الأولى مختلفة جداً حين لا تكون طفلاً، حين تجرب الشيء لأول مرة في عمر لا تُصنّف فيه طفلاً لأنك تعود إلى ذلك العمر بصورة ممتعة حينها بدهشتك ورغبتك الحقيقية بخوض تجربة.

ما زلت أذكر ما تركت في نفسي تجربة الدراجة في شوارع ميونخ ودرس التزلج الأول على الثلج والتحليق في الهواء بسرعة عالية جداً كطير فوق الماء دون أن أملك القدرة على السباحة.

التجارب الأولى دائماً مختلفة، تحيي وتجدد شيئاً فيك وتشعرك بالامتنان لمرورك بها. لهذا أحاول دائماً المرور بنشوة التجارب الجديدة وأهم ما أرى ماهية الشعور الذي ستخلفه في نفسي. هذا لا يعني أن التجارب الجديدة لا تحمل جانب الخوف والتيه والعتمة، وهذا في الحقيقة ما يباعدنا عنها في أحوال كثيرة إلا أننا نشكر أنفسنا على المرور بها ولو بعد حين.

(4)

تتباين الأولويات من إنسان لآخر، ومن هنا تتباين صنائعهم

هناك أوقات من حياة الإنسان تكون مفصلية بلا شك وبقدر ما تعمل للحظات التي تدرك أنها ستخلق فصلاً جديداً في حياتك بقدر ما يكون لك وإن طال العمل وامتد الوقت أكثر.

للأسف البعض يتراخى قبل الوصول لمثل هذه الفصول وقد يجعلك عرضة للميل إن أطلت المكوث والانشغال عمّا أمامك وما ينتظرك.

سنة الامتياز تعد سنة مفصلية لمن أراد الاستمرار للوصول إلى وجهة معينة في مسيرة الطب وكان جاداً فيما يخص هذا الوصول. وفي السنة ذاتها هناك طريق واسع جداً للاتكاء والوقوف حتى، للانغماس بأمور لا معنى لها ولا تضيف لك مع مرور الوقت إلا خسارته. لهذا كانت أحد السنوات التي حرصت فيها ولا أندم في أي لحظة على الابتعاد في معظم أشهرها عن الأغلبية والانغماس فيما يأخذ بيدي إلى ما أرغب في أن أحققه. أستغرب أحياناً اشتراط البعض على وجود الأصدقاء على سبيل المثال في سنة كهذه بصورة مستمرة وملازمة ولا أرى شخصياً ضرورة ذلك. الأصدقاء معك في كل وقت ولك أن تلتقي بهم متى ما أردت وهذا لا يعني أن قضاء أوقات العمل ذاتها دونهم سيكون تجربة مريعة على العكس هناك لذة ومتعة في الانغماس والتركيز على ما تريد صنعه والاختلاء بما تحب وتصنع بشغف. للأسف بالنسبة للبعض كنت أرى أنها فترة زمنية سرقت من أوقاتهم الكثير حالت بينهم وبين الوصول.

على الإنسان دائماً أن يذكر أنه وإن تشارك مع الغير في حقيقة قرب مرحلة زمنية فاصلة في حياته هذا لا يعني أنها تمثل ذات القدر من الأهمية لهذا الغير فتعامل البعض على سبيل المثال بتساهل غريب واستهتار لا يعني أن يجعلك تصنع المثل إن كانت وجهتك مختلفة، إن كانت وجهت مناقضة لما يصنع. هذا لوحده مؤشر للهروب بنفسك لتحفظ لها وقتها وجهدها لما يستحق.

التواجد في مكان واحد طوال فترة تجربة كسنة الامتياز والبقاء مع الأشخاص ذاتهم والتحرك بصورة جماعية قاتلة لتفرد الفرد تفقد سنة الامتياز الكثير من الفرص التي تحملها للإنسان.

لدى عدد غير قليل صفات تطغى في سنة كهذه وبرأيي على من يرى هدفاً يستحق أمام عينيه ألا يركن لها، صفات تطغى كالتذمر وترك الوقت يمضي دون شيء. إن سلم الإنسان منها سيخرج منتصراً لنفسه وشاكراً لها.

 

(5)

حين لا تكون الحقيقة ضالة الإنسان سيخسر عدالته ليتبعه ضميره

أقف على بعد أشهر قليلة من مفارقة المدينة التي مارست فيها الكثير من تجاربي منذ أن كنت في الخامسة من العمر، أحمل الآن نصف حلم بعد ما حدث وما زال في قلبي أمل كبير أن يكتمل هذا الحلم قبل أن تمضي هذه الأشهر بسرعة كما يفعل الزمن مؤخراً. أقف على بعد أشهر من مفارقة حبيبتي التي عاهدت نفسها ألا تتركني يوماً. أمي التي كانت منذ ولادتي العالم أجمع في عينيّ، المرأة التي أحبتني أكثر من نفسها وقدمتني للعالم كحكاية فخر لا أقل. تلك التي تعلمت منها كيف يمكنك أن تقف قوياً لتصمد حين لا يقف أحداً بجانبك. المرأة التي تعلمت من حكايتها ألا أعبأ بكمّ من يؤمن بزاوية من حكاية ما بقدر ما عليّ أن أسأل نفسي قبل أي شيء عن ماهية الحقيقة وأين يكمن الحق. لماذا؟ لأنك أحياناً قد لا تجد أحداً يقف حيث يكون الحق وحين يكون العدد حكمك، ستخسر عدالتك وصحوة ضميرك.

أقف على بعد أشهر من مفارقة حبيبتي التي عاهدت نفسها ألا تتركني يوماً لأجدني أتركها عمّا قريب.

 

(6)

التأليف رسالة أكثر من كونه هدف

في شهر فبراير من العام الماضي تم نشر كتاب ذاتُ تَبَصّر، تجربة الكتابة لم تكن جديدة بالنسبة لي إلا أن نشر ما أكتب في كتاب هو ما كان كذلك.

نشر الكتاب لا أعتقد بأنه هدف بالنسبة لي بل يميل أكثر لأن يكون جزء من رسالة أتمنى أن أستمر في أن أصيب بها بأقل قدر من العثرات. ذات تبصّر بالنسبة لي ليس قصص وحكايات بل دروس وتأملات كُتب لي أن أقتنصها من خلال ما يمر بنا في مرحلة ثرية ككلية الطب، وجدت الكتابة هي الطريق الأمثل لتوثيق بعض الآثار التي تخلفها المواقف التي أمر بها والطريق الأمثل لأذكر نفسي بالأعوام الأولى وما كنت فيه وكيف كنت أنظر لما حولي في الزمن الذي لم أكن في الحقيقة قد حملت أمانة المريض بعد.

ياه كم اختلف الأمر الآن وأنا أعايش هذه المسؤولية. شتان بين وقوفك في صفوف الدراسة في كلية الطب وممارستك لعملك بصفة رسمية، بصفة تجعل على عاتقك أمانة لا أستطيع في الحقيقة أن أصف مداها وعمق كيانها، تلك التي قد لا تجعلك تنام بصورة هانئة في ليلة، هي ذاتها التي تكون حاضرة في بعض أحلامك لتوقظك بفزع.

أنا ممتنّة لذات تبصّر، لأنه حمل دروساً أثيرة قريبة إلى نفسي وتجارب لن تتكرر مع انتهاء تلك المرحلة. إلا أني ابتدأت بلا شك مرحلة جديدة لا أعلم كم جزءاً كذات تبصر قد يستوعبها.

ذات تبصّر كان جزءاً من رسالة. ولا أرى أن لرسالة الإنسان أن ينقطع عطاؤها حتى يتوقف هو على القدرة على العطاء، ولا يتوقف عن هذه القدرة حتى ينتهي حضوره على هذه الأرض ولعل أثرها يبقى بعدها.

 

(7)

يذبل الإنسان دون شغف، عليه دائماً أن يسقيه بشيء جديد. ألا يتركه في العتمة، أن يحييه بالاستمرار

 

(8)

لكل مرحلة من حياتك قيمة مختلفة ومشاعر متفردة خلال حاضرها

الحياة تمضي، في اللحظات التي تؤمن وتكاد تقسم أن هذا أثقل ما قد يمر عليك تجد نفسك بعد عام، أقل أو أكثر بالكاد تذكر تفاصيل مشاعرك في ذلك الوقت وما بدا ثقيلاً جداً لا يعني لك سوى ذكرى وأحياناً ستسخر فيها من نفسك للمدى الذي أخذك إليه القلق. تدرك حينها أن لكل مرحلة من حياتك قيمة خاصة ومشاعر مختلفة تحيط بالحاضر قد تفقدها بعد مرور الزمن بكل بساطة لأنك تعايش الآن حاضراً آخر، لأن ما كُتب لنا هو أن نمضي من محطة لأخرى وألا نعود لأننا لم نمض إلا وقد أتممنا ما علينا فيها وقد حان وقت قادم وما يحمل.

حين أذكر توتر اختبارات الكلية، وقلق المقابلات الشخصية بعدها وليالي الاستعداد للاختبار الكندي ويومه وانقطاعي عن الكثير حينها، الأمور التي كانت تغضبني وتجعلني أنفعل في سنوات الكلية والأحداث التي حدثت في سنة الامتياز كل هذه محطات مضت لا أتعلق بها لكنها جزء مني شارك في ما أكونه الآن إلا أني على إيمان تام بأنها مراحل انتهيت منها للانتقال لغيرها وربما أحياناً لا أشتاق للعودة إليها باستثناء ربما اللحظات التي أجدني فيها في مواقف غير يسيرة مع مريض في منتصف ليلة مناوبة، دون أن أشعر أعود بنفسي حين كنت في كلية الطب وأسأل نفسي عن القلق حينها. ثم ما تلبث نفسي تذكرني بأن لكل محطة مخاوفها وقلقها وسعادتها وانتصاراتها التي ستمضي أيضاً.

(9)

هناك دائماً فرصة لأن نتعلم شيئاً جديداً، لأن نكون أفضل، لأن نتفرد. ولكي نتفرد علينا أن نبذل جهداً أكبر ونتخذ طريقاً مبتكراً ونخطو خطوات تميّزنا بطريقة ما عن غيرنا.

 

(10)

الالتزام وإن خبا التحفيز

إنجاز الأمور لا يعتمد على التحفيز بل على الالتزام. التحفيز ينير ويخبو ولا يضمن الإنسان حضوره في كل وقت ومن غير المنطقي أن يتوقف عن العمل وعن الاستمرار حين يخبو ونصنع خلاف ذلك حين ينير لنا.

على الالتزام أن يكون حاضراً فينا في كل وقت ليدفعنا للاستمرار بغض النظر عن كون التحفيز في أعلى درجاته أو أقلها، حتى الأمر التي نرغب بالقيام بها نفتقد في بعض الأيام الحماسة لممارستها إلا أن ما يدفعنا حينها للاستمرار وما نكون أشد حاجة له من أي شيء هو الالتزام لأنه إن غاب سنتخبط في الطريق وقد يكون من المستحيل الوصول إلى شيء لأننا في كل مرة سنتوقف فيها حين لا تلمح أعيننا ما يحفزها لنعود إلى نقطة الصفر كأن لم يكن شيئاً

.

 

أتمنى أن يكون 2018 عام سعيد ومنجز للجميع

شذا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: