دهشة اللحظة الحاضرة

في لحظات تصيبنا الدهشة حين ترسو أفكارنا العالقة إلى النقطة التي نقف فيها الآن، إلى المسافة المقطوعة إلى هنا، إلى الحكاية حتى الآن، إلى كل ما صنعناه من أجل هذا الوصول ويبدو أنّا لا نجعل مساحات كبيرة من التفكير من أجله لأن الحياة ربما أسرع من هذا النوع من التمهل أو ربما التأمل.

في قلب مدينة بعيدة جداً عن مدينتنا، أقف بعد رحلة قصيرة في طائرة مزعجة وأتساءل كيف مرّ الزمن وقد حمل معه ما حمل؟ كيف أقف هنا الآن؟ كنت أراني ولا أراني في هذه النقطة من الحكاية قبل أعوام.

للحظات تتيح لروحك اطمئنان الخوض في تأملاتها لتجد أنك تقف أمام أفكار كثيفة وهي تحملك إلى محطات عديدة كان وأن مررت بها وقد تكون متجاهلاً تفاصيلها آنذاك أو فقدت القدرة على التوقف والإحساس باللحظات الحاضرة كما هي لا كما تفرضه الأحداث العجلة المعتادة في زمن كهذا

ربما أفضّل الركون إلى فكرة أني مقبلة على أمر ما أكثر من كوني بدأت معايشته منذ فترة ليست بالقليلة لتهدئة قلبي لا أكثر

كل ما فعلته في كل مرة للانتقال من زاوية لأخرى ومن محطة للتي تليها هي الخروج عن نطاق مساحات الراحة والولوج في خلافها. كبشر قد نتكئ على مافي هذه المساحات وكالأطفال نتعلق بها بشدة كلعبة لأن شعورنا بالأمان يفوق غيره من المساحات إلا أننا ما قد لا نتنبه له حينها ونحن في سعادة المألوف أننا قد لا نتغير وأننا ومهما خطونا لن تتعدى خطواتنا عدد أصابع يد لأننا سنظل نتحرك في ذات المكان دون أن يخلق فرع جديد للحكاية.

والكثير من التقدم يتطلب أن تتخلى عن أمر ما لتكسب آخر، أحد أول ما يجب علينا كبشر التخلي عنه هو التشبث للبقاء في منطقة الراحة. ربما سنتمنى العودة والتراجع في لحظات كثيرة بعد مغادرتها، لحظات الخوف من المجهول والشعور بعدم الأمان تجاه هذا الجديد الذي تقبل عليه إلا أن تذكيرنا بذلك حاجة لأنه قد يسهل على الإنسان العودة عوضاً عن الاستمرار ومعايشة مشاعر ضيق تصاحبها رؤية ضبابية وقلب يترقب هذا الخطر. قد تراودنا هذه المشاعر بعد مدة من المغادرة ولا يشترط أن نكون حديثي عهد بذلك. إلا أننا في نهاية المطاف ندرك أن الحياة تستمر وأن من قرر الوقوف أو العودة سيتضاءل ولا يمكن له أن يزهر وإن اعتقد يوماً أن عناق المألوف نعيم. إننا لا نزهر حين نتوقف عن ارتياد الطرق الجديدة وفتح الأبواب المغلقة. على خلاف ذلك مع مرور الوقت نذبل وقد لا نعود نعرفنا.

أعود إلى الدهشة التي تصيبنا حين تتوقف بنا فكرة إلى اللحظة الحاضرة ونقرر أن نتمعن بتفاصيلها بعمق، الدهشة التي ولدنا من أجلها ولطالما تجاهلنا حقيقة وجودها وأثره، دهشة اللحظة الحاضرة دون غيرها.

١٧-٣-٢٠١

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: