كالحياة تُبعث من غيابها – شيء من تجارب عام

20190419_120904

 

لطالما شعرت أن ثمة حزن ومشاعر شتات غريبة تعتريني حين أنقطع عن الكتابة المطولة، حين لا أتمكن من استرجاع لحظات آخر عزلة استحضرت فيها صفاء ذهني وبدأت الحديث الرقيق إلى نفسي

الالتزام بمثل هذه الممارسات يخلّف في نفسي أثراً تتسع مساحاته بصورة ربما لا أدركها حتى أفقد هذه الممارسات لمدة من الزمن.

يشارف هذا العام على الانتهاء ومازلت أحمل مشقته دون أن يعني هذا أنه لم يهبني ما وهب في أيام مضت منه.

إنه عام لا أظن أني أقدر على اختصاره بالكتابة الآن لما حمله من حكايات بتفاصيل لا تحصى ربما وددت لو أني لزمت الكتابة منذ أول يوم فيه، إني أكتب من فترة لأخرى عنه والكثير مما دونت احتفظت به في دفاتري حتى هذه اللحظة لأني أرى أن الكثير منه في وقت كهذا لا يجدر بي مشاركته. وددت لو التزمت بممارسة الكتابة بصورة أكبر فيه إلا أني كنت أصبت فيه بالوهن بصورة متكررة، بصورة دفنت فيها حتى معرفتي بشفاء الكتابة دون قصد مني، كان الوهن الذي تغلب صورته علي في أحوال يقيدني، ولم أعمل بصورة كافية في كل مرة على تحرير نفسي بالكتابة.

كان عاماً كثيفاً بالغربة، مليئاً برحلات سفر ممتعة وغيرها المنهكة التي كانت تسقيني بحزنها بصورة مفرطة، مكتظاً بالوداع وبكاء خوف وتردد وشك.

عشت فيه للمرة الأولى لوحدي لأشهر، لا أنسى اللحظات الباقية حين أقف أمام نافذة مسكني أطل على المدينة التي فتنتني ذات يوم، أقف مطلة من الدور العشرين في منتصف ليل، تتكرر على نفسي لحظات إدراك حقيقة أني أقف هنا بعيداً عن كل أمر قد ألفته في أعوامي السابقة، أبعد آلاف الأميال عن كل من أحب، أتأمل منتصف السرير الفارغ الذي تركت فيه لباس صديقي، كان هذا أقرب ما أمكنني معايشته بصورة فيزيائية من قرب، غير أنه كان في قلبي بصورة حاضرة على الدوام، أقرب من أي شيءز تبدو الأمور قابلة لخيار الصبر بصورة أكبر ةمتقبلة للنفس أكثر حين ترتسم معالم الوضوح على ما تمر به، إلا أن عامنا هذا كان ينقلنا من غرفة موصدة إلى أخرى لا نعلم ما يختبئ لنا خلف كل واحدة منها. إن فكرة عدم اليقين والشعور بأنك معلّق في ظرف ما منهك للنفس وقاصم لظهر الصبر ومحاولات التحمل.

.

في الوقت الذي تطل علينا الوقائع من جوانب متباينة، نشعر أننا في محاولات مستمرة لإخماد حرائق صغيرة على أمل العودة إلى شعور التوازن أو في سبيل البقاء في دائرة المألوف أو ما يقارب حدوده لنشعر بأنّا ما نزال نملك زمام الأمور ليصيّر ذلك ممارساتنا أقرب إلى شعور الراحة منه إلى التردد والشك.

إن طبيعة الإنسان تدفعه إلى الميل إلى ما ألفته نفسه في محاولات للابتعاد عن كل ما يجعله يشعر بعدم ارتياح لمجرد أنها بقعة لم تطأها تجاربه من قبل. وفي أحوال يستمر الإنسان في مقاومة هذا التقدم بصورة تعيده للوراء وتجعل منه صورة للتعثر أكثر مما تُكسبه، إلا أن وجود أحداث تجد نفسك أمامها دون خيار اختيار الوقوف تجعل طبيعة المقاومة غير ذات قيمة حيث أنها لا تترك لك خيار الانطواء في تلك الدائرة وتلقي بك في خضم التجربة مهما كنت تشعر بعدم استعدادك لها.

إنه فقط بعد مرور الوقت على قضائك أوقاتاً تتفاوت في التعرف والانخراط في تجارب كتلك تجد أنك قد طرقت أبواباً لم تكن لتقترب منها لولا اصطدامك بهكذا تجربة، وتدرك أن هناك متسعاً للازدياد والإزهار حتى في المحاولات التي تخلق في نفسك في بادئ أمرها غصة في حلقك ورغبة شديدة بترك كل شيء والهروبز كان هذا يحدث معي بصورة متكررة خلال العام المنصرم، كل التجارب التي لم يكن لي نصيب الولوج فيها على الصعيد العملي والشخصي من قبل قد خلّفت شيئاً مشابهاً. الشعور بالضيق وأحياناً عدم الرغبة بالاستمرار في أي شيء يرتبط بمشاعر سلبية قد تُرى بصورة مثبطة. إلا أن ما لم يكن بحسبان أفكاري وما أدركته بصورة عميقة بعد مرور عام مثقل بالتجارب الجديدة والمتفردة أنك ليس بالضرورة أن تشعر أنك على أتم الاستعداد للإقدام على أمر ما، في الحقيقة في أحوال غير قليلة قد تشعر أنك آخر من يمكنه أن يقدم صنيعاً بعينه إلا أن الانغماس في تفاصيل الحكاية يدفعك للاستمرار وتفحص جوانب جديدة أخرى ومعاينة المختلف وربما انتصرت رابحاً في لحظات.

.

العودة إلى صديقي أشبه بإشعال نور في قاع عتمة نفس، إنه أشبه بالحياة تبعث من غيابها.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: