العودة بالزمن ممسكاً بحاضر

كأنك تعود بالزمن وأنت تحمل كل الحاضر معك. القسمات المألوفة وزوايا المبنى الذي يخيّل لي أني يمكن أن أمشي فيه مغمضة العينين.

أحمل بطاقة فيها صورتي وينتابني شعور اعتياد وغربة، أمشي بصورة لي قبل أعوام، ملابس لم أعد أملكها. قسمات متشابهة كثيراً مع شيئ مختلف، متشابهة دون أن تبدو متطابقة.

تقربني خطواتي باتجاه المقهى الذي شهد الكثير من الليالي المرهقة والمليئة بالشك والخوف، علي أن أعترف أنه كان هناك القليل من الامتنان آنذاك. بدت كثير من الأبواب موصدة، قاتمة. أمر بجانب المقهى وأراني أقف فيه قبل أعوام الثالثة فجراً والدمع يملأ وجنتي، لا أستطيع إيقاف نفسي عن البكاء والفكرة الوحيدة التي أحملها أن خطواتي ستحملني خارج هذا المكان دون أن أعود، كانت الخيبة تملأ أطرافي وتثقلني، كنت أكاد لا أعرفني في أوقات كثيرة.

أعود للآن؟ أم أنني حقاً عدت في الزمن؟

أفاجأ بأني أذكر حتى الأماكن التي لم أزرها مسبقاً بكثرة، لا أسأل عن إرشادات الوصول. كان ثمة ما يقودني كأني في ذلك الماضي كأنني لم أفارق المكان أياماً عوضاً عن حقيقة أني لم أطأ هذا المكان لأعوام.

لا أنسى أني فارقت هذا المكان حين فارقته بعجل، كان هناك الكثير من الأمور المتشابكة، أذكر أني حجزت تذكرة الذهاب لمدينة أخرى دون أن أعطي نفسي مزيداً من الوقت لحزم حقائبي. كانت الليلة التي تسبق سفري مقلقة. سكني لم يكن يُظهر أي علامات لقرب رحيل. ليس أي رحيل لكن رحيل دون عودة. الثلاجة ممتلئة وحقائبي مفرغة والسرير الذي يُملأ بالهواء مستلقي أمامي. لم أعرف كيف أتخلص من كل ما هو أمامي خلال ساعات قليلة قادمة قبل أن أخرج مسرعة للمطار.

هناك أمر مرضي ومريح للنفس كإنسان حين المرور بمألوف، لكن هذا ليس كل ما في الأمر. العبارة التي تتكرر في عقلي هي “كن واثقاً من سير الرحلة وأثر الوقت على اتساع التجربة واكتساب ما تسعى إليه”. من اليسير جداً ألا نرى لهذا المفهوم قيمة ولا ندرك حقيقة ما يعنيه سوى عندما نستشعر أثر مضي الوقت والسير فيما تريد لأن من الطبيعي جداً أن تكون البدايات مرهقة وأن تبدو ضيقة دون أن يكون فيها متسعاً للنمو. من اليسير جداً أن تتخم بالشك من أن لا تريد شيئاً بقدر ما تريد التوقف والمغادرة دون الالتفات للوراء. قد تعمى عن فكرة أن هناك من سبقك ولا يمكن أن تكون وحدك في هذا الشعور بالغربة.

الأمر الذي قد ينساه الإنسان في أحوال هو العودة في الذاكرة إلى نقطة البداية. لكن العودة إلى حيث كنت مكاناً في نقطة البداية بعد انقطاع قد يعين ذاكرتك على الانتعاش والعودة. الأمر يختلف إن استمريت في ذات البقعة من الأرض لأعوام وربما يصعب عليك استشعار هذا المفهوم لأننا قد لا نشعر بمرور الوقت وإن نمونا كثيراً خلاله وإن غدونا في درجات أعلى بكثير في التحربة والمعرفة. لكن العودة بعد انقطاع ستجلب لك ذكريات المكان وهذه الذكريات هي بداياتك. وتصيبك الدهشة حين تذكر. ربما تضحك على ما بكيت من أجله وتبتسم حين تمر من مكان كرهته. وربما تبتسم برضى وأنت تستنشق هواء مختلفاً شعوره وتدرك أنك مضيت وكبرت الأشياء فيك وزادك الوقت والتجربة نضجا وعلماً وإن لم تشعر بذلك في كل يوم من الأعوام السابقى/ لكن العودة للبدايات هي دليلك الذي لا يمكن أن تكذبه ولا تصدق بيانه.

هذا لا يعني التوقف، إلا أن العودة وسيلة لدفع الإنسان للاستمرار حين يشعر أن الأحداث مخيبة وأن الأمر لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه عسير بصورة لم يضعها في حسبان.

إن العودة دليلك الذي يخبرك بأن تستمر لأنها لن تكون المرة الأخيرة التي تحمل فيها الشك أو التردد بمقدرة في مجال كهذا. لكن إن كان لك فرصة العودة بالزمن فالأمل من ذلك أن تحمل دائماً تذكرة معك في أوقات الضيق وحين يبدو ما حولك متجهماً.

تذكرة العودة للبداية دليل صدّق بيانه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: