لهذا لم أكتب

لماذا تبدو العودة إلى النفس ثقيلة؟ لمَ بدت العودة للغوص في عمق الاتساع الذي عايشته يوماً كمهمة مستحيلة؟

لا إنكار أن أعواماً مضت منذ أن اتخذت مقعداً لأفكر فيمن أكون ، لأفكر في “لماذا؟”

الانغماس في كل هذا الانشغال لا يقرب الإنسان بالضرورة من نفسه، الجري لمحاولة اللحاق بكل هذه الأحداث المسرعة يعجز عن أن يجعلك تتمحص في تبدلاتك مع مرور الأيام. إن الجري لا يعطيك الفرصة للتأمل، للتساؤل “هل هذا ما أردت أن يملأ نفسي؟ لكن.. ما الذي يملأ نفسي؟ “

مخيفة فكرة العودة بالذاكرة لترى أنك كنت على معرفة أكثر بنفسك، على قرب أكبر من كل تفاصيل. ربما لم تكن تعرف آنذاك أن هذه المعرفة بحاجة لأن تُروى لا لتكبر فقطـ، بل لتبقى على أقل تقدير. إن الحياة ممتلئة بالمتغيرات ما الذي جعلني أظن أني سأبقى أحمل ذات التفاصيل التي حملتها في زمن مختلف تماماً.

لماذا بدا هذا الجري كهباء وأنا أعلم يقيناً أنه ليس كذلك؟

سأخبرك بأني اشتفت للكتابة، بأني في مرات ربما ليست بالعديدة فكرت في أن أعود ثم ما ألبث أن أتراجع وأنا أفكر في كل ما علي الجري خلفه قبل أن تسنح لي فرصة الجلوس في هدوء للكتابة لنفسي مع نفسي. ونسيت أو جهلت أن هذا الابتعاد هو ابتعاد عنّي وأن الجري إن كان مقربة لشيء ما فهو ليس المقربة الوحيدة التي أرجو، إنه يشبع جانباً مختلفاً تماماً من النفس، لكن الكتابة؟ كانت تشفيني فماذا حدث؟

لماذا يبتعد الإنسان عن الشفاء؟ لماذا يدرك الإنسان ما سيكون أداة من أدوات التخطي ويقرر أن يلقي بها؟ لماذا أشعر بأن الزاوية القصية من هذا العالم التي لطالما اتخذتها بشغف ورغبة.. عارية مما كنت ألوذ به؟ لماذا في المرات التي دفعت فيها بنفسي لمواجهة ورقة أو صفحة في شاشة جهاز إلكتروني خاوية أعود دون الإصرار على الكتابة؟ أعود فارغة وأبتعد أكثر.

لا أعلم كيف هي الكتابة لدى الآخر، لكني أراها ممارسة تتطلب الصبر والصدق. الصدق الذي ربما نتجنب جوانباً منه ولا نضطر لواجهته في حالة الجري التي أدمنّاها.

سأخبرك بأني لست راضية بأني لا أذكر آخر مرة شاركت نفسي في كتابة مطوّلة شافية. ربما كان هناك الكثير الذي لا أريد الوقوف أمامه وتعريته. ربما كنت في محاولة لدفن حقائق كثيرة عمّا أشعر به، عن القلق الذي يعتريني حين أهم بالكتابة أو بممارسة العزلة بفكرة وأنا التي لطالما وجدت في العزلة وطناً ومساحة أثيرة للصفاء والاطمئنان.

أعلم أن لدي الكثير للكتابة عنه، وما يجلب الدمع في عينيّ في أحوال أني لم أدفع بنفسي لواقع الكتابة كما فعلت دائماً، وما لا يقال يتراكم، وأنا بشر أجيد كتابة ما في النفس دون أن أملك متعة الحديث صوتاً، لطالما لم يكن الكلام وسيلتي للحديث سوى لأناس مختارة.

ما الذي يجعل الإنسان يتوقف عن ممارسة أدوات شفائه؟

في مرات سابقة فوجئت بصوت صغير وسأكون صادقة هنا عن هذا الصوت المزعج جداً ما الذي سيشعر به من يقرأ؟ أي فكرة ستخالج من يقرأ؟ وأنا التي كنت أبغض وأمقت هذه التساؤلات لأني لطالما آمنت أن الكاتب بحريته، وأنه لا شيء يساوي أن تكتب ما تريد دون أن تتساءل، إن تساءلت فأنت لا تكتب لنفسك ومن أجلها بل لترضي غيرك وهذا ما لم أقدم يوماً على الكتابة لأجله. والآن وأنا أكتب أتساءل هل هذا أحد أسباب عزوفي عما أحب؟ أني في اللحظة التي بدأت فيها بالتساؤل فقدت فيها شعور الشفاء ولم أعد أرى أن نتاجي سيكون حقيقة الأحاديث التي تتصارع في نفسي والأفكار التي أجدها على صفحة عقلي إن استمريت بهذه التساؤلات؟

ربما. هذا سبب كافي ومقنع، خاصة عند نفس لطالما رأت عاراً في أن يحرّف الكاتب ما يدفعه إلهام الكتابة لتدوينه من أجل أحداث أو رأي.

هناك أمور تتطلب وقتاً لتظهر للإنسان بصورتها الجلية لعقله، هناك أمور قد نرضى الانخراط بها أو الانخراط عنها لأننا دون وعي قررنا التخلي، إلا أن الوقت كفيل بأن يعيدنا إلى ما ارتأيناه لأنفسنا.

وعلى أي حال، ما الذي تفيده تيك التساؤلات العقيمة.. الأوجاع الخفية في جنباتك؟

الكثير من الخسارات التي يواجهها الإنسان هي نتاج التفاتاته الكثيرة لمن حوله للتأكد أن كل من حوله على وفاق لما يصنع، وهنا يفقد الإنسان معنى العيش وقد تبدو هذه الالتفاتات ضرورة للاستمرار في زمن حاضر إلا أن الاستمرار فيها والنظر للوراء إليها حين يكون الإنسان في نقطة ما من المستقبل تخبر أن الشيء الوحيد الذي حصل عليه الإنسان من هذا الانحناء هو خسارته لما أراد، والغير لن يأبه في اللحظة الحاضرة التي تلتفت فيها إلى ماضي باستياء لأنك تركت شيئاً كنت تعدّه جزءاً منك. ذاك الغير قد يمارس الآن ذات الشيء الذي دفعك بأي طريقة لتجانبه.

لا ألذ من اللحظات التي أعود فيها للوراء وأنا أعايش لحظات وقفت فيها من أجل نفسي، ولما أؤمن به مهما صغر الأمر أو كبر في مواجهة آراء مهترئة تخالفك فقط لفكرة المخالفة وفقط لفكرة أنك لا تستحق أن تحمل حق الرأي وممارسة ما تراه حقاً كاملاً لك. لا ألذ من اللحظات التي أعود فيها للوراء وأرى الآن وأشكرني أن قررت الوقوف وعدم التراجع فقط لأن الأمور كانت غير مطمئنة، فقط لأن غيرك شعر بالتهديد لوجودك ولممارستك حقك. لا تظن أن الجميع سيسعد لما تمارس، لكن من قال أنك خلقت لإسعاد هذا الجميع خاصة إن حملوا مبادئ معوجة وأفكاراً مهترئة يخجل العقل أن يجلبها. وتذكر أن الجهل رفيق للاندفاع والعمى، العمى عن الحقيقة. وأن البعض لا يختار الرغبة بالمعرفة ويركن للجهل، ويفخر بالجهل. هددني أحدهم مرة بأنه سيجلب سلاحه لقتلي، في المكان الذي أسميته منزلي ذات يوم. نعم هناك من يحمل من الجهل أن يقتحم منزلك بهذا الهراء وينتظر منك التراجع، ولا ألذ من اللحظات التي أعود فيها للوراء لأذكر أني لم أتوقف عن الاستمرار فيما هُددت بسببه.

لا تتوقع المروءة من الجميع ولا تتراجع عمّا تؤمن به لمجرد أنك قوبلت بقسوة.

عودة إلى الكتابة، أشعر أني مررت بتجارب عديدة لم أعطيها حقها من الكتابة مؤخراً، لا أصدق أن هذه المدة مضت من الجائحة على سبيل المثال دون أن أكتب، تنقلت من بين خمس مدن في الخمسة الأشهر الماضية وحدث الكثير دون أن أكتب كتابة مطولة شافية.

وقعت في الحب مرات عديدة مع ذات الشخص ولم أكتب، حصلت على حلمين في يوم واحد بعد جهد ومرض وافتراق عمّن أحب ولم أكتب سوى كلمات قليلة، فقدت قريباً دون أن أكتب، شعرت أن الحياة تتبدل وأنا أقارب الثلاثين وأن ثمة ما يتغير في نفسي بصورة لذيذة دون أن أكتب، أدركت برغبة دفعت بها لأعوام دون أن أكتب، تعاركت مع كل الأفكار القلقة في عقلي دون أن أكتب، تبقى من تدريبي أقل مما مضى ولم أكتب، اشتقت لشفاء الكتابة ولم أكتب، أكثرت الجري لهذا لم أكتب، وتساءلت كثيراً قبل أن أخط كلمة لهذا لم أكتب، سألت نفسي بأني إن لم أصدق نفسي فلماذا أكتب؟

شذا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: